الصفر فى النظرية النسبية

عندما يظهر الصفر فى  ميدان الفيزياء فعلينا ان نفتح اعيننا جيدا فقد تبدو امامنا ظواهر فى غاية الاثارة. وقد كان هذا هو الحال فى حالة الصفر المطلق فى ميدان الفيزياء الكلاسيكية. كما كان هذا الحال فى حالة طاقة الصفر ومفهوم الفراغ فى ضوء نظرية الكم. وكذلك  فى ميدان النظرية النسبية تلك النظرية اللتى تشكل العمود الثانى للفيزياء الحديثة فان الصفر له نتائج فى غاية الاثارة. واليوم سنحاول ان نتعرف على بعض هذه الجوانب.

النظرية النسبية هى الاسم الشامل لنظريتين: النظرية النسبية الخاصة و العامة. اما النظرية النسبية الخاصة تعنى بوصف قوانين الفيزياء من وجهة نظر اطر اسناد غير متسارعة و لاتؤثرفيها مجالات جاذبية او مصادر طاقة عالية. اما النظرية النسبية العامة فلا توجد فيها هذه القيود. وتقوم النظرية النسبية الخاصة على مبدأين. احدهما ان سرعة الضوء فى الفراغ هى دائما مقدار ثابت بغض النظر عن سرعة مصدر الضوء او  الراصد. وبناء على ذلك وصلت النظرية النسبية الى نتائج مبهرة. فهى توصلت الى ان الكميات الفيزيائية الاولية كالطول و الزمن والكتلة ليست قيما مطلقة ولكنها قيما نسبية. وبناء على ذلك فان الكميات الفيزيائية الاكثر تعقيدا باستثناء سرعة الضوء فى الفراغ هى ايضا قيمها نسبية!!

ويجب ان نلاحظ انه فى النظرية النسبية لدينا على الاقل اطاران اسناد  يتحركان بسرعة نسبية بالنسبة لبعضهما. كما انه لدينا كمية فيزيائية معينة نقوم برصدها وقياسها. وقد تقع هذه الكمية الفيزيائية فى اطار اسناد ثالث او قد تنتمى لاحد الاطارين السابقين. وهذا الاحتمال الثانى هو ما سوف نفترضه اليوم للتسهيل. اذن ما تقوله النظرية النسبية ان جل الكميات الفيزيائية قيمتها ليست مطلقة بل تعتمد على السرعة النسبية اللتى تتحرك بها هذه الكمية الفيزيائية بالنسبة لاطار الاحداثيات الراصد لها.

بل الادهى ان بعض الكميات الفيزيائية الاولية اللتى كنا نعتقد انها مستقلة ليست مستقلة. بل و لا تعتمد قيمتها فقط على سرعة الاطار الراصد لها بل على كميات فيزيائية اخرى. فالابعاد الطولية كما انها تعتد على سرعة الاطار الراصد لها فانها تعتمد ايضا على الزمن. كما ان الاحداثى الزمنى يتوقف ايضا على الابعاد المكانية. وهذا ما تقوله تحويلات لورنتر. اذن فى اطار النظرية النسبية الخاصة يبدو الزمان والمكان كانهما نسيج واحد وانها مغزولان معا لذلك ادخل العلماء مصطلح جديد وهو الزمكان اللذي يعبر عن الزمان والمكان معا كما انه يعبر عن تداخلهما.

لكن اين يظهر الصفر فى النظرية النسبية الخاصة؟ انه يظهر فى اكثر من موضع. مثلا عندما يكون اطارا الاسناد السابق الحديث عنهما السرعة النسبية بينهما صفر. فى هذه الحالة سيكون اطارا الاسناد وكأنهما اطار واحد. ولن تختلف النظرية النسبية الخاصة عن الفيزياء الكلاسيكية. ولن توجد هنا اى مشكلة او تناقض. اما الحالة الاعم فهى ان يتحرك اطارا الاسناد بالنسبة لبعضهما. وفى هذه الحالة يجب علينا تطبيق تحويلات لورنتر. والحالة المثيرة هى عندما يتحرك اطارا الاسناد بالنسبة لبعضهما بسرعة الضوء. ففى هذه الحالة نحصل على نتائج مبهرة. فجسم يتحرك بسرعة الضوء بالنسبة لنا سيتحول من جسم ثلاثى الابعاد الى جسم ثنائى الابعاد. حيث سوف يتلاشى تماما البعد الثالث اللذي يقع فى اتجاه الحركة. كما ان  الزمن سيبدو لنا وكأنه توقف تماما بالنسبة لهذا الجسم!! لكن النظرية النسبية الخاصة تستطيع تجنب هذه المفارقة المجنونة بمهارة بالغة. حيث ان تحويلات لورنتر تقول ايضا ان هذا الجسم سوف تزداد كتلته بالنسبة لنا وتصبح لا نهائية. اذن الطاقة المطلوبة في هذه الحالة سوف تصبح لا نهائية. ومعنى ان الطاقة المطلوبة لا نهائية انها عمليا امر مستحيل ولا يمكن الوصول اليه. ولذلك فانه من المستحيل ان نقوم بتسريع جسيم معين سرعته اقل من سرعة الضوء حتى تصبح سرعته اعلى من سرعة الضوء. لانه لبلوغ سرعة الضوء سوف نحتاج طاقة لانهائية. اذن فالصفر فى النظرية النسبية الخاصة لا يشكل اى مشكلة عويصة. لكن الامر لا يبقى هكذا عندما ننتقل الى ميدان النظرية النسبية العامة.

النظرية النسبية العامة هى النظرية الاقرب لواقعنا. فالنظرية النسبية الخاصة تفترض انه لا وجود لتأثير الجاذبية حتى تكون نتائجها صحيحة. لكننا نعلم ان الجاذبية موجودة دائما و لايمكن اغفالها. وحيثما نكون فى الكون فان قوة الجاذبية دائما هناك. اذن النظرية النسبية الخاصة هى فى احسن الاحوال نظرية تقريبية ولا يمكنها ان تعبر باى حال من الاحوال عن الحقيقة كاملة.

اما النظرية النسبية العامة فليست فيها قيود النظرية النسبية الخاصة. وهى تقوم ايضا على مبدأين ليس بينهما ثبات سرعة الضوء فى الفراغ. ففى اطار النظرية النسبية العامة فان سرعة الضوء فى الفراغ ليست شيئا ثابتا. فالضوء فى وجود الجاذبية لا يتحرك فى خط مستقيم بل ينحنى. ومقدار سرعة الضوء ليس رقما ثابتا بل هو اقل منه فى النظرية النسبية الخاصة. وقد تبلغ سرعة الضوء احيانا صفر! وهنا نصل الى عالم المشاكل. ولكن رويدا رويدا ودعونا نقارب الموضوع بروية.

اذن تخلت النظرية النسبية العامة عن مبدأ ثبوت سرعة الضوء فى الفراغ. لكنها احتفظت بمفهوم الزمكان. فالتجارب العملية تؤكد هذا الترابط بين الزمان والمكان. ويمكن تبسيط فلسفة النظرية النسبية العامة على انها تصور الزمكان او الزمان والمكان على انه نسيج او مفرش منبسط. لكن هذا المفرش هو مفرش رباعى الابعاد وليس ثنائى الابعاد. لكن دعونا نتتجاوز عن هذا الاختلاف ونتصور الموضوع فى بعدين فقط. فالمبدأ هو هو و لا يتغير. على هذا المفرش المنبسط نضع اجساما ثقيلة تمثل النجوم والكواكب فى كوننا. اذن هذا المفرش المفرود المستوي لن يبقى مستويا خصوصا عند المواضع القريبة من هذه الكتل الثقيلة بل سنجد ان المفرش ستتولد فيه انحناءات هى نفسها انحناءات الزمكان. واي جسيم صغير نضعه فوق هذا المفرش سنجد ان عليه ان يتبع الانحناءات الموجودة فى المفرش. ولن يمكنه ان يتحرك فى خطوط مستقيمة بل ان عليه ان يتبع المسار المنحنى اللذي يوجد فوقه. وهذا يفسر لنا لماذا تدور الارض حول الشمس. لان الارض تسبح فى اكثر خطوط الزمكان استقامة حول الشمس وهى تساوي تماما مدار الارض الحالى حول الشمس. وهذا مابينته حسابات النظرية النسبية العامة بدقة عالية.

لكن علينا ان نراعى فى التشبيه السابق ان الانحناءات السابق ذكرها ليست فى المكان فقط. ولكنها ايضا فى الزمان بنفس المقدار. فاذا زادت شدة الانحناءات فى نسيج الزمكان وتواجد جسيم ما عند هذه الانحناء سنجد ان كتلته ستزداد جدا. كما ان الزمن سوف يبطئ جدا عند هذه المواضع!! وحتى شعاع الضوء اذا مر فى الزمكان فلن يمضى مستقيما بل سينحنى ايضا طبقا لانحناء الزمكان الموجود .بل فى حالة الثقوب السوداء فان الضوء لن يستطع ان ينتشر ابدا  وستكون سرعة انتشاره صفر. لكن ماهى الثقوب السوداء؟

الثقب الاسود

الثقوب السوداء فى صورتها النمطية هى نجوم عملاقة شاخت وماتت. فاى نجم طبيعى فى مرحلة شبابه يقع تحت تأثير قوتين: قوة تسبب تمدده بسبب التفاعلات النووية في قلبه وقوة تسبب انكماشه وهى قوة الجاذبية اللتى تلملم اطرافه وتجذبها باصرار نحو المركز.ولكن بعد مرور فترة زمنية فان الوقود النووي ينضب وتنتهى القوة الاولى. وتبقى القوة الثانية اللتى تسبب انكماش النجم باستمرار. وهذه المرحلة اللتى نطلق عليها وفاة النجم. لكن انكماش النجم لا يستمر دوما. ففى مرحلة معينة ستقترب ذرات النجم من بعضها بشكل هائل. وسوف يتحدي ثبات هيكل الذرة فقط قوة الجاذبية. لكن ماهو سبب ثبات هيكل الذرة؟ انها الالكترونات. فمدار الالكترونات تمثل اخر مدي الذرة وعندما تقترب الكترونات من بعضها فانها تتنافر. وسبب التنافر هو  قانون باولي. اللذى يقول عندما يقترب الكترونين من بعضهما جدا فان سرعتهما تزداد جدا. وهذا هو سر تنافرهما! لكن ازدياد السرعة لا يمكن ان يستمر هكذا فكما سبق ورأينا فان هناك سقف اعلى للسرعات هو سرعة الضوء. وبالفعل فانه فى حالة النجوم اللتى تزيد كتلتها عن كتلة الشمس ب 40% تقريبا فان ازدياد سرعة الالكترونات لا يستطيع ان يقف عائقا امام قوة الجاذبية الرهيبة فتنهار الذرات كلها ويتبقى منها انويتها فقط. وتتحد الالكترونات مع البروتونات فى النواة لنحصل على النجوم النترونية.

وفى هذه الحالة توجد قوتان فقط وهى قوة الجاذبية وقوة ثبات النواة. لكن مرة اخري فان قانون باولى ينظم قوة ثبات النواة فالنواة تتكون نفسها من جسيمات مادية اولية لا يمكن ايضا لسرعتها ان تتجاوز سرعة الضوء. وعندما تتجاوز كتلة النجم 10 امثال كتلة الشمس فانه حتى ثبات النوة لن يستطيع ان يقف امام قوة الجاذبية وسوف يستمر مسلسل انهيار النجم ولن يقف امامه عائق حتى يصبح حجمه صفرا! ولكن كتلته تبقى كما هى! . وهذا شئ عجيب. وهنا يطل الصفر مرة اخرى بوجهه الهادم للقوانين.

لكن كيف يتأثر الزمكان بالثقوب السوداء؟ فى حالة الكتل الضخمة فان الزمكان ينحنى حول هذه الكتل. اما فى حالة الثقوب السوداء فان الثقوب السوداء يصل الانحناء عندها الى مالانهاية وتعرف هذه الظاهرة ب singularity. ويبدو الثقب الاسود وكانه ثقب فى نسيج الزمكان!! وهو نقطة لا يمكن تجاوزها وكانها يمثل نهاية الكون!!

لكن هذا ليس كل شئ. فنحن عندما نقذف حجرا ما الى اعلى فانه يعلو حتى يبلغ اعلى نقطة ثم يهوي الى الارض مرة ثانية. ولكى نقذف حجرا حتى يغادر مجال الارض بالكامل فعلينا ان نقذفه بسرعة تعرف باسم سرعة الهروب وهي تساوي 11 كيلومتر فى الثانية. وسرعة الهروب هذه ليست رقما ثابتا ولكنها تعتمد على كتلة الكوكب او النجم. وفى  حالة الثقوب السوداء فان سرعة الهروب المطلوبة تفوق سرعة الضوء. وكما نعلم ان اقصى سرعة يمكن الوصول اليها هى سرعة الضوء. اذن فان هناك حرم للثقب الاسود او مسافة معينة اذا بلغها جسم منه ما فلا يمكن ان يفلت ابدا هذا الجسم من قبضة الثقب الاسود. حتى الضوء نفسه لا يستطيع ان ينفذ من قبضة الثقب الاسود. ولذلك يبدو مظلما ومن هنا تأتى تسميته بالثقب الاسود.

اذن يبدو الثقب الاسود لنا فى العالم الخارجي وكانه بقعة مظلمة. سرعة الضوء المنبعث منها صفر. لكن كيف يبدو عالم الثقب الاسود من الداخل  بالنسبة لانسان يقع داخل حرم الثقب الاسود نفسه؟ الاجابة هى اننا لا نعلم. فبداخل الثقب الاسود تسقط كل قوانين الفيزياء. بل حتى يقول البعض انه فى داخل حرم النجم الاسود قد تتحرك الاجسام بسرعة تفوق الضوء وقد يسير الزمن الى الوراء.!! وهناك وسيلة وحيدة فقط لكي نعلم ماذا يحدث هناك وهى ان نذهب هناك بانفسنا ونري ماذا يحدث.

لكن اذا ذهب اى رائد فضاء الى هناك فانه سوف يموت فورا. فانه يتعرض بمجرد اقترابه من الثقب الاسود الى قوة رهيبة تسببب استطالته وتحوله الى عود اسباجتى طويل وتمزقه اربا. فهذه القوة هى شبيهة بقوة المد والجزر اللتى نعرفها على الارض. لكن بفرض ان رائد الفضاء لديه بدلة فضائية تحميه من هذا المصير المرعب فانه لن يستطيع ان يبلغنا بما يراه. لان من خلف حرم الثقب الاسود لايمكن ان تصدر اي اشارة وتصل خارجه. ويطلق العلماء على هذه الظاهرة تعبير بليغ وهو الرقابة الكونية او Cosmic censorship وكأن الكون ديكتاتور يمارس رقابة ويصادر اى اخبار تصف ما يجرى خلف حرم الثقب الاسود.

اذن الصفر فى النظرية النسبية العامة يرسم لها حدودها ويكتب لها شهادة وفاتها. ففى حالة النظرية النسبية الخاصة فان النظرية تمكنت بمهارة من حل المشاكل المرتبطة بالصفر لان الطاقة المطلوبة لانتاج مثل هذه الظواهر كانت لا نهائية. اما فى حالة النظرية النسبية العامة فان الطاقة المطلوبة لانتاج  عالم الثقب الاسود عالية ولكنها ليست لانهائية بل ان الطاقة المطلوبة متوفرة بكثرة فى كوننا!!

 

Leave a Reply